الشيخ محمد رشيد رضا

349

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمآتم ، ولا يخطر لهم ببال انه يجب عليهم التفكر فيها للاهتداء بها ، ولو تفكروا لاهتدوا وإذا لعلموا ان كل ما يشكو منه البشر من الشقاء بالأمراض الاجتماعية والروحية ، والرذائل النفسية ، والعداوات القومية ، والحروب الدولية ، فإنما سببه التنافس في متاع هذه الحياة الدنيا ، وان من تفكر في هذا وكان على بصيرة منه ، فهو جدير بأن يلتزم القصد والاعتدال في حياته الدنيوية المادية ، ويصرف جل ماله وهمته في اعلاء كلمة اللّه وعزة أهل ملته ، وقوة دولته ، والاستعداد لآخرته ، فيكون من أهل سعادة الدارين وما صرف الناس عن هذا الاهتداء بكتاب اللّه ، وهو أعلى وأكمل ما أنزله اللّه ، إلا علماء السوء المقلدون الجامدون ، وزعمهم الباطل انه لم يبق في البشر أحد أهلا للاهتداء به وببيان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم له ، لأن هذا يتوقف على ما يسمونه الاجتهاد ، ويزعمون أنه أصبح ضربا من المحال ، وقد أنشأت مشيخة الأزهر في هذا العهد وهي أكبر المعاهد الدينية الاسلامية مجلة رسمية شهرية باسم ( نور الاسلام ) تصرح بهذه الجهالة ، وتطعن على الدعاة إلى هذه الهداية ، وإلى ترك البدع ، واتباع السنن ، وانها لدركة من عداوة اللّه ورسوله لم يبلغوا قعرها إلا بخذلان من اللّه * * * ( 25 ) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 26 ) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 27 ) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً . أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ * * * لما بين عز وجل غرور المشركين الجاهلين بمتاع الحياة الدنيا قفى عليه ببيان ما يدعو اليه من سعادة الآخرة ووصف حال المحسنين والمسيئين فيها فقال وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ الجملة عطف على محذوف يدل عليه السياق